الرئيسية / مقالات / عودة الروح من تاني
أسرة مصرية بنزلة السمان بالجيزة عام 1955

عودة الروح من تاني

كتب مبروك حمدي …

لم تكن مصر في تاريخها القريب او البعيد دوله بالغة الثراء , حتى ايام الفراعنه كان حكامها وكهنتها اغنياء مقابل شعب فقير مسخر بقوة الفرعون وكهنوت الكهنه
توالت العصور على مصر من بعد الفراعنه واستمرت عصور يونانية اغريقية قبطيه عربيه حتى معاصرة .. لم نكن يوما أغنياء ولكن كنا أحيانا مستورين , وهذا هو غاية المراد من رب العباد بالنسبة للإنسان المصري .. الستر .. لا أكثر ولا أقل .. ولذلك في الماضي كنت عندما تمدح أسرة من الطبقة المتوسطه فتقول ” ناس مستوره ” وعندما يسألك أحدهم عن حالك فترد ” مستوره والحمد لله ”  تعني  ” ماشي الحال ” ..

صورة أرشيفية عام 1955

أسرة مصرية على كورنيش نيل القاهرة عام 1955

كان المنحنى يصعد ويهبط احيانا فتتبدل حالة الستر المادي الى ازمات اقتصادية فتهبط بعض الأسر المستورة الى مستوى الأسر الفقيرة والفقيرة الى الأشد فقرا وذلك بسبب موجات غلاء يعجز المستورين من أصحاب الدخل المحدود عن مجاراتها , وقد حدث هذا في فترات متكررة  في الاربعينات ايام الحرب العالمية الثانية وما بعدها , وحدث في السبعينات مع سياسة الإنفتاح ثم كانت موجة منتصف الثمانينات وعبر عنها الفن بافلام مثل الموظفون في الارض وحد السيف وافلام اخرى كانت تدور حول عجز الموظف عن التعايش مع الغلاء فيتجه للتسول او العمل خلف راقصه .. اما وفي التسعينات فقد تحسنت الاوضاع نسبياً عن الثمانينات واتجه الميزان ليميل من جديد في جانب الستر  لبعض الوقت .. اما في الألفية الجديده فبدأت الكفة تميل مرة أخرى ناحية الفقر مع دخول رجال الأعمال للسياسه من بوابة الحزب الوطني وحكومة أحمد نظيف او لنقل حكومة جمال مبارك , ومع انتشار وسائل التعبير والحشد الالكتروني الجديدة وقتها وجد المصريون طرق أخرى للتنفيس عن غضبهم بطرق اخرى غير ” النكته ” التي كانت الوسيله الوحيد سابقاً عند المصريين قبل ظهور الفيس بوك , وحدثت الثورة وتبدلت الأيام واختلف ثقافة الشعب واختلفت حتى كفاءة الحكومات واستمر الاقتصاد في التراجع واستمرت الكفه في الميل بشده ناحية الفقر , ليهتك الفقر ستر الكثير من الأسر المستورة سابقاً فتجد الأقل حيله يتجه للإستدانه ” هم بالليل ومزلة بالنهار ” والبعض اتجه ليبيع أي شيئ لأي أحد حتى ولو لحم حمار وأصبحت رداءه السلع هى القاعده والجوده هى الاستثناء واتجه البعض للتعامل بقاعدة ” ان بيت ابوك خرب روح خد لك قالب ” فتغيرت سلوكياتنا وأصبح المصري لا يأمن للمصري فالتوجس هو سيد الموقف وسوء الظن هو الأساس حتى يثبت العكس , كل هذا الخصال كانت موجوده سابقاً طبيعة بشرية ولكن لم تكن هى القاعدة
ويبقى قطاع عريض من المتعففين أصبحت عيشتهم ضرب من ضروب الجحيم في ظل زمن أصبح فيه التعليم ” بيزنس ” والصحه ” بيزنس ” بعد أن لجأ المعلمون والأطباء لخصصة خدماتهم هروبا من السقوط في هوة الفقر بعد أن رفعت الدوله يدها عنهم منذ عقود من الزمن

%d9%85%d8%b5%d8%b1-4

حي شعبي عام 1955

ربما أكثر من يبرر إتجاه الكثير الأن الى الشغف بالحنين الى الماضي ” النوستالجيا ” هو الحنين الى زمن الستر المادي والسمو الأخلاقي والترابط الأسري كما نراه في الأفلام القديمه وعايشه الكثير منا في طفولته .. الأب الموظف والأم ربة المنزل .. وكل أبناء الحي يتعلمون في نفس المدرسة لا دروس خصوصية ولا مساومات الدرجات مقابل الدفع , كانوا يعالجون في نفس المستشفى ويتناولون نفس الطعام بل ويرتدون نفس الزي في أحيان كثيرة ..
.. أما الأن فقد تغيرت أخلاق المصريين المميزة لهم وسادت ثقافة الزحام والإستغلال والخطف وضيق الخلق . فالأب غائب والأم تعمل والأولاد أغلب ساعات النهار وجزء من الليل في مخازن الدروس الخصوصية فانقطع الرباط الأسري وأصبح الإرتباط علاقة ممول بممولين يبقى الولاء ما دام التمويل والا الضجر والتذمر والتمرد أحيانا .. فنادراً ما تجتمع الأسرة الأن على مائدة إفطار أو غذاء أو يتناوبون قراءة صفحات جريدة واحدة او الجلوس سوياً أمام شاشة واحدة

إن أخطر ما يهدد مصر ليس ضعف الإقتصاد المجرد ولكن أثارة التراكمية على المدى الطويل من تغير أخلاقيات وتبدل ثقافات وإنحلال تركيبة الأسرة فطالما مرت مصر بأزمات إقتصاديه ولكن بقيت محافظة على القوة الكامنه بروحها المميزة والتي أصبحت مهدده الأن نتيجة تلاشي الطبقة المتوسطة الحامية لهذه الروح , وسيادة روح جديده على المجتمع لا تمت بصلة للروح المصرية ما بين روح الطبقة البالغة الثراء حيث نمط التجمعات السكنية المتميزة ” الكومباوندات ” التي يرتبط الكثير منها بمصر الجغرافيا فقط , ومابين روح العشوائيات وأشباهها وثقافة الزحام واخطف واجري وكلاهما لا يعبر عن كلمة من ثلاثة أحرف ولكنها تعني الكثير ” مصر ”

إن الروح المصرية مثل المعدن لم تختفي ولكن تغيرت بفعل طبقات من الصدأ ومازال في الإمكان إعادة إظهارها من جديد بجلاء الصدأ ولكن التأخير أطول من اللازم يهدد قلب المعدن نفسه بالتأكل . فمصر لا يهددها عدو خارجي أو داخلي أشد خطراً من تأكل روحها وإندثار الشخصية المميزة لأهلها فهذه الروح حتى التي حافظت على بقاء أقدم دولة بالتاريخ حتى الأن رغم ما مر عليها من اندثار حضارات وتبدل عقائد وأديان والمرور بشدائد ومجاعات وحروب  , فسر مصر هو أهلها وسر أهلها هو الروح المصرية

 

أضف تعليق

عن نبأ

9 تعليقات

  1. تعقيبات: Bdsm dungeon

  2. تعقيبات: DMPK Testing

  3. تعقيبات: sativa

  4. تعقيبات: engineering uodiyala

  5. تعقيبات: biddershabit.com

  6. تعقيبات: iraqi coehuman

  7. تعقيبات: lowongan kerja cpns 2019 gelombang 2

  8. تعقيبات: astrology

  9. تعقيبات: GVK BIO news

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: