الرئيسية / مقالات / تامر المغازي يكتب : كنت هناك قبلك – من التوريث إلى التثوير

تامر المغازي يكتب : كنت هناك قبلك – من التوريث إلى التثوير

كتب تامر المغازي …

 كنت هناك قبلك، ولا أحب العودة.

أنتج لنا الفيس بوك خدمة متميزة منذ مدة ليست بالقصيرة، وهي خدمة الذكريات، وبقدر ما تحمل هذه الذكريات اليومية للفرد منا شجوناً أو حنيناً لماضٍ هو بكل الأحوال أفضل حالاً مما نعيشه اليوم، وبقدر ما تحمله لنا النوستالجيا من هموم وتحمله لنا من مسؤوليات واجبنا أن نتحملها، فماكينة الذكريات هذه تعتبر اليوم آرشيفاً إلكترونياً لأنفاسٍ تنفستها وكلمات أطلقتها وأحاسيس مررت بها، والأهم، ولأن الفيس بوك هو برلمان الشعب ومصطبة نميمته فتقريباً كلنا تكلمنا في السياسة عليه وصارت لنا عليه مضابط لجلساتنا، أرشفها مارك وأطلقها لنا في صورة أنيقة تنغص علينا حياتنا وتقلب علينا المواجع، شاطر يا مارك.

أتحسس غدد الأدرينالين عندي كل فترة، أقوم باحصاء معدل أنفاسي ونبضات قلبي بصورة متكررة، أرقب في عيون الكثيرين من حولي – من يعرفوني جيدا ومن لا يعرفوني إلا قليلاً – نظرات الشفقة والرثاء لحالي، تقول أعينهم وبعض تلميحاتهم أني خائف، فلا أجد نبضي متسارعاً ولا أجد أدرينالين أكثر من الواجب في دمي، أطالع هاتفي المحمول صبيحة اليوم التالي فأجد مقالاً يضرب في جمال مبارك وصورة تتهكم على أحمد عز وستيتيس تضرب المعارضة في قلب مبارك، لا أريد أن أقول أن وقتها.. في 2009 مثلا كان هناك أقل من ينصحنا أن نخفف مما نكتب على الفيس بوك، مش خايف على ابنك ولا إيه؟ إنت عندك عيل ربيه، وسأقول أنها كانت نصائح بريئة لا تهديدية، فلم نخاف اليوم ولم نخش حسن عبد الرحمن والعادلي!

أتعقلون؟

أطلقت الحركة الشعبية المباركة في 25 يناير 2011 طاقات كامنة متعددة من جوف المصريين، لا نملك إزاءها إلا أن نراقبها ولا نملك كتمها اليوم بكل حال من الأحوال، تعيش مصر حالة سائلة لا مثيل لها في أي مكان آخر بالمجرة أو الأكوان الموازية، فمصر قد استيقظت ذات يوم لتجد أن جميع من أنجبت قد صاروا خبراء، صاروا استشاريين، صاروا ثوريين، صاروا هم الحق المبين ومن سواهم مضللين، الحالة موجودة على الضفتين ولكن شتان الفارق بين من يقف ولو واهما في صف بلده ومن يتحيز لهوى او حزب كبر أو صغر فهو جزء من كل والكل سيستقيم والجزء أعوج، هذه سنة الأمم، ويدفع جميعنا اليوم ثمناً لذنبٍ اقترفناه جميعنا أو بعضنا في الثمانية عشر يوما المجيدة وما تلاها، نسخر من كل شيئ، نسخر من الجميع، نسفه كل شيئ ولا نرى أن هناك كوباً من بابه، فعايز تشوف نص مليان ونص فاضي والكلام الفارغ ده!

لم أكن يوماً من المنانين، من المعايرين وهم كثر، كثيرون تفاخروا وتكسبوا من ثوريتهم ومن معارضتهم لمبارك، وأكثر منهم كانوا يسيرون جوه الحيطة مش جنبها واليوم هم حملة الأعلام والرايات المتهكمة على الصامتين والصابرين، الأدهى أنهم يتهمون من سواهم وهم على صمتهم أنهم من المطبلاتية على الوضع سايلانت، الوضع الصامت لنا والهزاز لهم، ثم يأفورون ويزجون لك بتعليق يومي أنك صامت وستلاحقك اللعنات، هدءوا من روعكم يا سادة، بلاش تبقوا أوفر بزيادة.

كنت هناك لأني فعلاً كنت غاضبا من مبارك، بأسباب حقيقية وموضوعية، في ذاكرة الفيس بوك وآذان رفاقي ملخصات ومجلدات عنها، منها ما كام يستحقه مبارك ومنها ما كان يتم تضخيمه بصورة يومية ومتكررة ربما من العام 1995 حتى سافر شرم الشيخ متنحياً، أعرف تماماً شعور من يقف في هذه المنطقة، الحنق والضيق والضجر والغضب، حالة متكاملة من التثوير، أثور لنفسي وأثور بغيري وأحول حياة من حولي لجحيم، لك كنت أفعل هذا؟

كان هدفنا وقتها أن نسقط مبارك، أن ننهي مشروع التمديد، أن نقضي على مشروع التوريث، تثويرنا ضد توريثهم. كان الهدف أن نصل لكتلة حرجة تملي شروطها على الحاكم والقصر، وأعرف تماماً أساليب تشكيل وتجميع الكتلة الحرجة، وأشفق عليكم اليوم وأنتم تسرون وتعلنون: هم مش بيثوروا ليه! دي حاجة لو عرفتوها تبقوا عمد أصلا.

عرفنا السبب وذكرنا الهدف وبقيت النتيجة: أننا أزحنا مبارك، ثرنا وقتما تهكم علينا كثيرون ولحق بنا من لحق كل لهدف في باطن عقله لا نعلمه ولم يعد يعنيني أن أعرفه، أما عن الغضب من مندوب الاخوان في الاتحادية فيكفي القول أن مرسي ما استحق أن يذكر اسمه كرئيس لمصر قط إلا لسبب واحد: أن يحكموا فنعرفهم ونكشف خداعهم وارهابهم وتتيقن من افكارهم، وقد عشت الفترة من 2000 – 2010 مخدوعا بهذه الجماعة ومتعاطفا معها ومصوتا لها، وقرأت عنهم ومنهم وعرفت خطأي.

أما بعد السبب والهدف والنتيجة، فلا يبقى إلا الاستنتاج: نعم كنت لا أرغب في أن يبقى مبارك في الحكم لحظة واحدة ربما من العام 2005، ولهذا كانت تحركاتي وكلماتي تفضي لما أصبو إليه، أما السيسي فلا أرغب حقيقة في إسقاطه ولا الثورة عليه، هو بشر يخطئ ويصيب، هو ليس الفرعون المنزه كمن سبقوه وليس كمن يأتيه الوحي في المقطم ورابعة كمن ندبوه، أعارضه وأخالفه وأؤيده وأراه مقصرا ومخطئا أحيانا وأحياناً أخرى يصيب، ولو ترشح ضده من هو أكفأ منه بعد عام ونصف سأنتخب منافسه، ولو ترشح ضده مانيكان آخر فلن أنتخب السيسي اضطراراً إلا لو كنت مقتنعاً به بنسبة 70-80%، هدفي التقويم والاستعدال وليس التثوير والانقلاب، أما عن صمتي فببساطة لكي لا تزيطون.

أضف تعليق

عن نبأ

7 تعليقات

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: