الرئيسية / مقالات / تامر المغازي يكتب : أرجوك أعطني هذه الغباء

تامر المغازي يكتب : أرجوك أعطني هذه الغباء

إن أردت تعريف الدواء فكل ما عليك فعله هو نقر شاشة هاتفك الذكي والذهاب لويكيبيديا لتجد التعريف المبسط: هو أية مادة تستعمل في تشخيص أو معالجة الأمراض التي تصيب الإنسان أو الحيوان.

وإن أردت تعريف الغباء فهو فعل الشيئ ذاته كل مرة مع توقع نتائج مختلفة.

أما عن تعريف الغباء في التعامل مع أزمة الدواء فلا يجب عليك فتح ويكيبييا، ولا يجب عليك الولوج للمواقع الطبية ولا الذهاب لطبيب الأمراض العقلية كي يصف لك دواء الغباء، وبالطبع لا يجب عليك زيارة بعض برامج الفضائيات أو الجلوس أمامها، عزيزي المواطن المصري القاطن في دير النحاس(فين دير النحاس دي؟) وفي كل ديار المحروسة، الفضائيات فيها سمٌ قاتل.

هل هناك في بر مصر من يعيش اليوم كما كان يحيا منذ ست أو سبع سنوات؟ بل من المهم أن نتساءل ذاك السؤال الغبي: ألم تتبدل معيشتنا منذ السنة السابقة نتيجة الانهيار الكبير في سعر صرف الجنيه المصري منذ ما يزيد عن سنة وختاماً بقرار تحرير سعر الصرف منذ شهرين؟ قليلون هم من يستطيعون التكيف أو مماهاة الوضع الاقتصادي الحديث، من يعلمون خارج مصر وقلة ممن يديرون استثمارات بالملايين وقلة أقل ممن يتيحون منتجاتهم للتصدير، بلا شك تأثر الموظفون سواء الحكوميون أو في القطاع الخاص، وبلا شك صارت الحاجات الأساسية للمواطن عبئاً على كاهله ووزناً ثقيلا على كتفيه وقلبه، ووكذلك كان العبء ثقيلا على التجار، صغار التجار.

وهناك، في ركنٍ منزوٍ من تصنيف المشروعات التجارية تقبع مهنة الصيدلة، مهنة وصف وصرف الدواء التي تتسم كل أوجهها اليوم بكل الغباء، أول أوجه الغباء هذا أن الصيدلي  – وهو مهني تعلم فنون الطب أحيانا وعلوم الدواء دوماً في كليته المرهقة ذات الخمس سنوات– لا يستطيع بلوغ شان الطبيب والمهندس والمحامي الحر أو المدرس الخصوصي من تحديد أتعابه والقفز بها قفزات توازي غلاء معيشته، ولا يستطيع ولوج عالم التجارة الحرة من بابه الواسع، فهامش ربح الدواء محدد ب12% للدواء المستورد و20% للمحلي، وفي ظل اضطراب اقتصادي ورغبات احتكارية ونقص في الموارد الدولارية فقد أصبح سوق الداوء متخماً لما يعرف في مهنته بالنواقص، معنديش، مانزلش والله، دور عليه في الصيدلية اللي على أول الشارع، طيب سيبنب يومين وادور لك عليه.

ويهرع الصيدلي إلى صفحات الفيس بوك يناشد زملائه: علبة من صنف فلان لمريض ضروري.. ألاقي فين شريط من الدوا العلاني عشان الروشتة ماتطيرش؟ ويستبد الخوف بالصيدلي ويبدا في شراء منتجات كثيرة بسعرها التجاري ليبيعها بلا مكسب، مساعدة لنفسه كي لا يفقد عيشه ومراعاةً “لزبونه” الذي يعاوده ويشتري منه الدواء و”فاتح له بيته”، هل تتصورون أن زجاجة محلول الملح يشتريها بعض الصيادلة ب40 جنيها ويزيد بينما سعرها الحقيقي يبلغ جنيهات تقل عن اصابع اليدين، ولكنه الاحتكار والعوز، كفانا الله شرهما.

وكما يظهر فأننا في وقتٍ نختار فيه بكل جدارة بين الدواء والغباء، ولو عدنا لأزمة الدجاج المستورد ووقفة منتجي ومربي الدواجن في مصر وآلتهم الإعلامية الجبارة في وجه الحكومة منذ أسابيع قليلة لعرفنا كيف تدار الأمور في مصر، صدر قرار وبعد مزايدات ومناقشات وافتاءات من كل المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي تم الغاء القرار، لمن الغلبة اليوم؟ لمن يملك الإعلام ومن يقدر على تهديد الحكومة، فهل يملك الصيادلة أي قوة؟

هذا المهني الماثل أمامكم في برد الشوارع وفي تراب الحواري، هذا المهني المختلف تماماً عن مثيله في أي دولة في العالم، حيث تقف كل الظروف ضده منذ أوائل الألفية الجديدة بكل صلف، هؤلاء المهنيون ليسوا كلهم كمثل العزبي وسيف ورشدي وعلي وعلي والطرشوبي، هم في معظمهم ضحايا نظام تعليمي منفصل تماماً عن سوق عملهم، هم ضحايا تضخم أعداد القبول في كليات الصيدلة الحكومية والخاصة، هم ضحايا قرارات متخبطة وشركات متسلطة، هم ضحايا تضارب المصالح حتى بين بضعهم البعض.

بكل تأكيد يجب أن تتبدل أسعار الدواء، أقول تتبدل أنه يجب قبل أي شيئ أن تنشأ آلية لمراجعة سعر الدواء في مصر كل فترة بصفة دورية، فزيادة سعر صرف الدولار زادت من تكلفة مدخلات انتاج الدواء بكل تأكيد، لكن بأي نسبة؟ وماذا لو قفز الدولار بعد أشهر أخرى مرة أخرى ، ماذا سيكون الوضع حينئذٍ؟ وماذا لو فرضنا العكس وانخفض سعر الدولار واليورو؟ فهل سيسارع الصيادلة والشركات للمطالبة بتقليل سعر الدواء وقتها؟  لا نملك الإجابة وربما لا نملك رفاهية التفكير في الحلول، فالأمر كله بيد شركات الدواء والوزير، بينما يتخبط الصيادلة وتتخبطهم أدوات الإعلام وتتهمهم بالجشع، لم هم جشعون؟ لأنهم يريدون تطبيق قرار 499 للعام 2012 القاضي بزيادة هامش ربح بيع الدواء بواقع 1% سنويا ليبلغ 25% تدريجيا، والتهمت شركات الدواء القرار وتريد اليوم التهام السوق أولا بتفليل المعروض من جانبها للبيع للصيدليات، ما أدى لشحٍ ضخمٍ في السوق، وانتظاراً لاعلان الوزير اليوم قائمة ال3000 آلاف صنف المزمع زيادة سعرها، وبين الشركة والصيدلي هناك موزعي الدواء، وهم حيتان عملاقة كالشركات المنتجة تماماً، وبينهم وبين الصيدلي صغار الموزعين، وفي وسط الصيادلة بلا شك يقبع بعض ضعاف النفوس الذين يستبقون زيادة السعر بشراء كميات كبرى من بعض الأدوية لاحتكارها والكسب المضاعف منها، وفي وسط كل هذا آلية قانونية واضحة تقول أن الدواء مسعر جبريا، ولا يجوز بيع نفس المنتج بسعرين، حتى لو انخفض سعر الدواء( وفي مرة من المرات النادرة حدث هذا مع دواء اسمه بلافيكس وانخفض سعره من 340 جنيها لما يقارب ال200 جنيه منذ 8 سنوات.

أتتخيلون أن اعلام مصر حصر كل مشكلة الدواء في رغبة الصيدلي في البيع بالسعر الجديد وهو بذلك يتبع القانون؟ الاعلام بكل غباء تناسى نقص الانسولين وارتفاع سعر ألبان الاطفال بصورة جنونية وشح المحاليل الوريدية والمضاربة في أسعارها وأذاع فقط أن الصيادلة غير وطنيين، ووصل الأمر أن هددهم أحد أقطاب إعلام التوك شو الليلي وهو أحمد موسى وتوعدهم بمفاجآت لو نفذوا اضرابهم!

ويحدث كل هذا بينما تتضارب أفكار وتحركات الجهات المسؤولة عن المهنة الجريحة، فالإدارة المركزية لشؤون الصيدلة ضعيفة، والنقابة لا سلطة فعلية لديها اللهم الا ادارة الاضراب ومعاقبة من يخالفون القرار، بينما شعبة صناعة الدواء بالغرفة التجارية هي المسيطرة، وربما هي الأعلى صوتا وهي المتغلغلة في الإعلام، ويشعر الصيدلي بالخوف على مستقبله ورأس ماله ومهنته، أو ما تبقى منها. وتجري الأيام الأخيرة بين كرٍ وفرٍ من كل جهة، والدولة ربما غائبة، ايدها بتوجعها من يوم ضربة منتجي الدواجن لقرارها وليهم لذراعها، ايدك بتوجعك قوي يا واد حكومة؟ عاجبك سعر الدجاج الآن؟

هو الغباء بعينه، إن لم يكن هذا هو الغباء.. فكيف يكون إذاً!

 

دكتور : تامر المغازي

أضف تعليق

عن نبأ

2 تعليقان

  1. تعقيبات: Mu Legend Zen

  2. تعقيبات: good seedbox

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: