الرئيسية / مقالات / السائرون انحناءً

السائرون انحناءً

ربما سمع الكثير منا عن رواية السائرون نياما للاديب سعد مكاوي، وربما قرأها القليل منا، وهي الرواية التي تحكي عن الثلاثين عاماً الاخيرة من عمر المماليك وحكمهم لمصر، وهي الرواية الصادرة عام 1963 ويقول بعض النقاد أنها  تحمل اسقاطات على ثورة 1952 وتنظيم الضباط الأحرار، وكان هذا حال المصريين حين كانوا يقرأون ويفكرون… حين كان بكل بيت مكتبة وبكل عقل أثر للكتب التي قرأها صاحبها، بتقول ايه؟ لسه المصريين بيقروا ولسه بيمسكوا كتب؟

نعم يقرأ المصريون… يفعلون هذا يومياً وبدأب ونهمٍ شديدين، وهو بالسرير وفي الحمام، وهم بالمدرسة وهم يشاهدون المباراة، وهم جالسون وهم سائرون، صار المصريون يقرأون عن حيوات أصدقائهم ومشاكل المحيطين بهم، فعلاً هذا ما يقرأه المصريون، يقرأون من شاشات الهواتف النقالة والحواسب اللوحية، ونستحق اليوم فعلا لقب السائرون إنحناءً.

وهو انحناء ليس كأي إنحناء، ليس انحناء التواضع لله ولا انحناء الصلاة ولا انحناء العجوز المسن، هو انحناء للدروس وللموبايلات!

راقبتهم لفترة طويلة، طويلة جداً، هؤلاء الفتيان والفتيات الذين تمتلئ بهم الشوارع في كل وقت، وقت المدرسة والكلية صباحا ً تجدهم يجوبون الشوارع،  يوم الجمعة صباحاً تجدهم يهرولون لنقاط التجمع والتلاقي، الدروس الخصوصية و”سناتر” الكليات تنظرهم، متى يذاكرون؟ متى يأكلون؟

بحثت فسألت فأٌجِبْتَ، راقبتهم فعرفت أنهم يذاكرون عادةً وهم في طريقهم للدرس نفسه،  تجد الفتاة تفرد الكتاب على ساعدها وتتمتم بكلمات تحفظها أو تراجعها مع زميلة لها، وربما تمسك بالقلم وتقوم بحل تمرين على الدرس، ويقومون بالجلوس قليلاً على رصيف بجوار عنوان المدرس انتظارا لدخولهم ورحيل المجموعة المنتهيٌ وقتها، وسبحان الله، المجموعة  الذاهبة حالها غير حال المجموعة الآتية، المجموعة الذاهبة لمقابلة المدرس وجوههم مكفهرة وكأنهم سيؤدون امتحان نهاية العام، والمجموعة الراحلة من عند المدرس قد ابيضت وجوهها وأضاءت!

إنه ضوء شاشات الموبايلات الذي أنار وجوههم وليس درجات الامتحان J فحالهم يتبدل دخولا وخروجاً ولكنه نفس الانحناء، قبل الدرس ستجد تياراً من الفتيات والفتية صوب حجرة المدرس وبعد الدرس سيقابله تيارٌ آخر وينسابون في نعومة وانسيابية، ولكنه نفس الانحناء. وعندما يجوعون يكملون انحناءهم ليأكلوا الإندومي ويمسكون كوباً مملوءاً به بيدهم الأخرى، وكأن المشرحة ينقصها المزيد من القتلى.

هم يضيعون وقتهم وصحتهم وعافيتهم ربما حينما يدمرون يومهم  ورقابهم، أسماها العلماء اليوم رقبة الهواتف الذكية، حيث تشير الدراسات أن أطفال اليوم ربما سيحتاج الكثير منهم لعلاج لآلام رقبتهم وعمودهم الفقري قبل سن الثلاثين عاماً، هل ننتبه!

وبرأيي فهؤلاء همهم يحملونه وحدهم، ولكن اليوم صرنا ونحن نقود السيارات نكتب الرسائل ونرد عليها ونحكي ونشاهد الفيدويوهات، ذنب من سيتسبب في حادثة في رقبة من؟ في رقبة الاجهزة الذكية! تلك الأجهزة التي دخلت حياتنا في الثلاثين عاماً الأخيرة تراوحاً بين أجهزة التليفون المحمول التقليدية وحسب وبين الأجهزة الذكية التي ملكت علينا حياتنا وصرنا فعلاً مماليكاً لها، تلك الأجهزة التي تكتب تاريخنا السياسي ونقرأ من خلالها التاريخ ونبحث في الجغرافيا، ونعتبر الفيس بووك مصدرا رئيسيا من مصادر التشريع  ومرجعاً مهماً من مراجع التأريخ، تدمر بيوتاً وتقيم علاقات وتهدمها، تزوج بناتاً وتطلق شائعات، فهل سيكتب التاريخ روايتنا باسم السائرون إنحناءً ويقول كنا مماليك للفيسبووك وانستجرام وتويتر وكانت نهايتنا كما انتهت حياة المماليك برؤوسنا معلقة على أبواب المدن!

مقال بقلم : تامر المغازي

 

أضف تعليق

عن نبأ

3 تعليقات

  1. تعقيبات: cheap Mu Legend Zen for sale at u4gm.com

  2. تعقيبات: todoindie

  3. تعقيبات: DMPK

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: