الرئيسية / مقالات / كلنا صناديق سوداء

كلنا صناديق سوداء

كتب تامر المغازي


 

الإسكندرية

زيزينيا

مساء اليوم 31 أكتوبر 1999

كانت ليلة خريفية هادئة، يدخل المساعد الخاص بي للصيدلية مسرعاً وهو يقوم بركن دراجته بجوار باب الصيدلية لاهثاً، كنت أترقب وصوله كي أتناول طعام العشاء من مطعم أبوعوض الشهير وأعود للمستشفى العسكري بمصطفى كامل والذي كنت أقضي فيه خدمتي العسكرية،  وقبل أن يعطيني كيس السندوتشات كان يقول لي حول مؤشر التلفزيون عن القناة الخامسة التي كنا نتابع برامجها المتطورة آنذاك ولنتابع القناة الأولى التي تنقل أنباء عاجلة عن سقوط طائرة ركاب مصرية قبالة السواحل الأمريكية.

بدأ الأمر مفاجئاً وغامضاً من أول لحظة، زالت المفاجأة وبقي الغموض لسنين طويلة، كارثية هي حوادث الطيران، مخيفٌ هو مجرد تخيل اللحظات التي تسبق سقوط طائرة وركابها مفزوعين أو غرق مركب بحري وركابه يصرخون،

ويومها كنا في العصور الحجرية، في عصور ما قبل التفاصل الإجتماعي، في عصور ما قبل الزيطة والهري الإلكتروني وما قبل الترافيك وإعلانات جوجل، وبالتالي بدأنا في تلقي الفاجعة رويداً رويداً وبدأت الأخبار تصل لنا بالتدريج، وعرفنا بعد ساعات حجم المصاب، خيرة شباب مصر من أبناء القوات المسلحة المصرية، ويومها وفي عصور التخلف تلك كان الأمر يستغرق ربما يوماً كاملاً كي تنصب منصات الفتي والنقد والزيطة، ولكنها بأي حال كانت أهون من تلك التي نشهدها اليوم.

ووسط كل تلك القذائف الفيسبوكية والحمم التويترية لا يبقى لنا من ذكرى الطائرة المصرية المنكوبة إلا بقايا سجالات دارت بيننا وبين أصدقائنا، أطلقت أمريكا على الطائرة قذيفة دون شك، الطيار إنتحر، الطيار حاول إنقاذ الطائرة، أمريكا إستهدفت مقاتلين مصريين تميزوا في مجال الحرب الإلكترونية والصواريخ، الطائرة ذابت كغيرها في مثلث برمودا المخيف، تلك هي قصاقيص الذكريات والتحقيقات الصحفية، وهي ذاتها كان من الممكن أن تكون عناوين لحالتنا على الفيس بوك او تغريدات متتابعة لنا على تويتر.

وبقي أن جماعة الإخوان ومؤيدي مرسي قد أطلقوا منذ عامين شائعة فاخرة كعادتهم، كان مفادها أن السيسي كان هو الشخص الوحيد الذي نجا من حادث الطائرة، وقد أطلقوا الشائعة ووراءها الكذبة أن السيسي تعده أمريكا من يومها كي يكون الرئيس، وهو بعد مقدم ربما أو عقيد، وبالطبع دارت ماكينة الشائعات تغزل الكذبة التي تشبه في هشاشتها حلوى غزل البنات المعروفة، فالسيسي لم يكن يومها عضو في بعثة مصر التي تتلقي تدريبها العسكري في أمريكا، ولأنهم ينبشون مقابر الماضي فإن المقبرة ما إن تم فتحها فإنها تبوح بأسرارها، بأسرارٍ غير التي أردت أنت أن تصل لسبرها.

فالذي ظهر أن محمد عبد المقصود كان هو الرجل المصري الوحيد الذي تخلف عن ركب الرحلة وبقي في أمريكا لأمرٍ ما، وبنهجهم، وبطريقة السيناريوهات العكسية لتحليل الأمور، فمن أدرانا أن الرجل لم يكن يتم إنقاذه من الموت كي يتبوأ منزلة دينية ما بعد عقد كاملٍ من الزمان! وخاصة عندما نعرف أن للرجل أخٌاً قد شغل منصب مساعد وزير الداخلية لشئون الموانئ، وأخاً آخر كان لواءً بأمن الدولة المصري بعد ذلك، ولكننا لسنا مثلهم.

كفر الشيخ

صباح 31 أكتوبر 2015

وكأن التاريخ يقلب لنا صفحاته كما تتقلب قلوبنا كل يوم بين الحقيقة وعكسها وبين اليقين وشكوكه، فأبى التاريخ إلا أن يسطر سطراً جديداً ويضيف للتاريخ ذاته، يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر نسخة طبق الأصل من الذكرى الأليمة، فإننا للأسف أمام ليلة أو ليال كاملة من الإرتباك وإستباق الأحداث بسقوط طائرة روسيا فوق صحراء سيناء وبالغموض الذي يكتنف الحادث، وبكل الفتاوى والشائعات التي تربك فضاءنا، فكل ناشط قد حانت له فرصة كي يلهب حماس متابعيه، وكل موقعٍ إلكتروني قد آن له أن يكسب المزيد من المال بفضل فضول القراء لمعرفة ما حدث.

ولكن الغريب حقاً أن تجد حولك كل هذه الأعداد من المصريين الذين يدلون بدلوهم في كل قضية، هم محررو حوادث في حادثة قتل، وهم خبراء تسليح عند الحرب، وهم خبراء كرة وقت المباراة، واليوم كلنا صناديق سوداء نعرف ما حدث للطائرة قبل أي جهة تحقيق وقبل العثور على الطائرة نفسها وحطامها، دعونا نهنئ أنفسنا!


 

أضف تعليق

عن نبأ

2 تعليقان

  1. تعقيبات: buy blade & soul gold

  2. تعقيبات: buy blade and soul gold

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: