Home / مقالات / البرنامج النووي بين الحلم والكابوس

البرنامج النووي بين الحلم والكابوس

أحمد السيد النجار

فى سبتمبر من عام 2006 (16/9/2006) نشرت لى جريدة الأهرام مقالا بعنوان «الاعتبارات الاقتصادية والإقليمية وضرورة دخول مصر النادى النووي». وكان ذلك المقال سابقا على تحويل الحزب الوطنى المنحل ورئيسه تلك القضية إلى موضوع للدعاية السياسية التى لم تقترن بأى إجراء عملي. واليوم وبعد تسع سنوات من ذلك المقال ما زال موقفى كما هو فى هذا الشأن. ودخول أى بلد للنادى النووى السلمى يعنى دخول النخبة العلمية فى هذا البلد، إلى مستوى جديد من التطور العلمى والتكنولوجى يمكن أن تنتشر آثاره فى مختلف قطاعات الاقتصاد فى حالة توفر آليات مرنة لنقل الإنجازات العلمية إلى مجال الإنتاج. كما أن تطور الصناعات المرتبطة بالبرنامج النووي، يؤدى إلى نهوض عام فى الاقتصاد وبالذات فى القطاعات عالية التقنية مثل البرمجيات والصناعات الفضائية. كما أن استخدامات المعرفة فى المجال النووى تمتد لقطاع الصحة. وفى النهاية فإنه إذا كانت مصر وهى دولة كبيرة وقائدة فى إقليمها قد أصبحت محاطة بدول نووية مثل الكيان الصهيونى الذى استخدم برنامجه النووى بشكل كامل فى صناعة الأسلحة، لأنه ببساطة لا ينتج أى كهرباء من مفاعلاته، ومثل إيران التى تشير إلى أن برنامجها النووى الطموح مكرس لتوليد الكهرباء رغم أنه يمكن أن يكون له جانب عسكري، فإن دخولها فى النادى النووى أصبح ضرورة علمية قصوى حتى لا نتخلف عن القوى الموجودة بالمنطقة. ودخول مصر النادى النووى السلمى أصبح ضرورة حاسمة تفرضها اعتبارات المكانة الإقليمية، وتوجبها المزايا الاقتصادية لبناء المفاعلات النووية وعلى رأسها توليد الكهرباء وتطوير القدرات العلمية والتقنية المصرية.
وقد هالنى بالفعل كم الإفتاءات بالهواجس بشأن الاتفاق النووى بين مصر وروسيا، وكم التربص واستباق أى رؤية موضوعية بالاتهامات إذا كانت تلك الرؤية مؤيدة للمشروع. وهذه الحالة ليست مقصورة على مناقشة هذه القضية وليست مقصورة على المعارضين بل هى حالة عامة ومن كل الاتجاهات. فلو كان هناك موقف نقدى أو معارض للحكومة أو الرئيس ستجد نفس التربص والاتهامات توجه لمن لديه هذه المواقف رغم أن الدنيا لم تتقدم إلا بنقد ما هو قائم من أجل ما هو أفضل. ورغم أنها حالة تصيب أى إنسان بالزهد فى الكتابة أصلا، فإن هذا الزهد هو ترف لا يملكه أى حريص على مستقبل هذا الوطن فى لحظة تاريخية فارقة تستدعى أقصى درجات الانتصار للحقيقة والعلم ومصلحة الوطن سواء قادت هذه القيم إلى تأييد المواقف الرسمية أو إلى نقدها أو إلى رفضها كليا.

وقبل مناقشة وجهات النظر المختلفة التى طرحت بشأن الاتفاق النووى المصري-الروسي، لابد من الإشارة أولا إلى الخطوط العريضة لهذا الاتفاق ومذكرة التفاهم المرافقة له. وتتعلق مذكرة التفاهم بالتعاون بين الجانبين المصرى والروسى بشأن الاستخدام السلمى للطاقة النووية. أى أن هذه المذكرة هى بمثابة إعلان نوايا لكل دول المنطقة والعالم وللمنظمات الدولية بأن التعاون النووى المصري-الروسى يرتبط بالاستخدام السلمى للطاقة النووية وليست له أهداف متعلقة بصناعة الأسلحة النووية.

أما الاتفاق الخاص بإنشاء المحطة النووية فتم التوقيع عليه بين وزير الكهرباء المصرى بحكم أن المفاعلات مكرسة لتوليد الكهرباء، ورئيس مؤسسة «روس أتوم» الحكومية التى ستقوم بإنشاء المحطة النووية التى تتضمن أربعة مفاعلات، وتلك المؤسسة لديها اتفاقات لإنشاء عدد كبير من المفاعلات فى العديد من دول العالم. وقدرة كل مفاعل من مفاعلات المحطة 1200 ميجاوات. وقدرة المحطة كلها ضعف قدرة المحطة الكهرومائية للسد العالى التى توفر نحو 9.3% من إجمالى احتياجات مصر من الكهرباء فى الوقت الحالي. وللعلم فإن المحطة الكهرومائية للسد العالى كانت توفر نحو 54% من احتياجات مصر من الكهرباء فى نهاية سبعينيات القرن الماضى قبل إنشاء العدد الكبير من محطات إنتاج الكهرباء والتى تعمل بالغاز أو النفط.

أما الاتفاقية الثانية فهى اتفاقية تابعة للاتفاقية الاولى وتتعلق بالقرض الذى ستحصل عليه مصر من الحكومة الروسية لتمويل بناء المحطة النووية مصر. ولم يتم إعلان قيمة القرض الذى سيتم سداده على مدى 35 سنة على أساس أنه سيسدد من عائد إنتاج الكهرباء من المحطة النووية بعد اكتمالها، بما يعنى أنه لن يحمل مصر أى أعباء. لكن هذا المبرر غير منطقى ولابد من إعلان قيمة القرض لأن هذه التزامات عامة للدولة إزاء دولة أخرى. كما أنها التزامات لا تتضمن أى تكاليف على الخزانة العامة وفقا للطريقة التى سيسدد بها. كما أن المطبوعات الدولية ستنشر قيمة الديون الخارجية لمصر بعد إضافة قيمة القرض وسيكون معلوما للجميع، والأولى بالدولة أن تبادر بإعلان قيمة القرض الذى سيستخدم فى تمويل مشروع طالما كان حلما لمصر. وكان عدم الشفافية بشأن القرض هو أحد الانتقادات التى وجهها البعض للاتفاق. وهذا النقد فى محله لأنه كما ذكرت لا ضير من ذكر البيان فالقرض أيا كانت قيمته سيتم سداده من إيراد المشروع الذى استخدم لإقامته.

ولأن الشىء بالشىء يذكر فإن مصر عندما أرادت بناء سدها العالى لم تجد من يقف معها فى بناء ذلك المشروع العملاق سوى الاتحاد السوفيتى السابق وفى القلب منه روسيا. ووقتها حصلت مصر على قرضين لتمويل المرحلتين اللتين تم من خلالهما بناء سد مصر العالى الذى تم اختياره كأعظم مشروع للبنية الأساسية فى القرن العشرين باعتباره مشروعا غير مصير شعب بأكمله وحوله من شعب خاضع لمشيئة النهر ونزق فيضاناته المدمرة وكوارث جفافه، إلى شعب متحكم فى النهر العملاق. وكانت شروط القرضين فتحا فى العلاقات الاقتصادية الدولية القائمة على التعاضد والصداقة بين الشعوب، فسعر الفائدة كان 2.5%، وفترة السماح كانت طول مدة إنشاء السد العالى ومحطته الكهرومائية التى امتدت 10 سنوات. والسداد تم من خلال تصدير سلع مصرية وزراعية بالأساس إلى الاتحاد السوفيتى السابق. وتكفلت الزيادة الضخمة فى الإنتاج الزراعى بعد بناء السد بتوفير السلع الضرورية لسداد القرض. وفى تلك الأيام بدأت الكثير من الدول النامية والفقيرة تتجه للاتحاد السوفيتى لتمويل مشروعاتها الكبرى بنفس الطريقة. وفى محاولة من الغرب لاستيعاب هذا التطور، تم تأسيس مؤسسة التنمية الدولية فى إطار البنك الدولى لتقديم القروض الميسرة للدول الأكثر فقرا لمحاصرة تنامى العلاقات بين الدول النامية والاتحاد السوفيتى السابق.

وقد أشار البعض إلى أن هناك ضبابية حول ما تم توقيعه، وهل هو مذكرة تفاهم أم اتفاق أم عقد. والحقيقة أن الأمور واضحة تماما فى هذا الشأن فهناك مذكرة تفاهم واتفاق لإنشاء المحطة النووية، واتفاق على القرض الخاص بتمويلها وشروط سداده. واتفاقية الإنشاء المرتبطة باتفاقية القرض تعنى أنه فى حكم التعاقد الذى ستبدأ الخطوات العملية لتنفيذه فى بداية العام القادم، أى بعد أقل من ستة أسابيع.

أما اكثر التحفظات أو أسباب الرفض تأثيرا فتتعلق بالتحذير من خطورة الطاقة النووية لبعض الرافضين لها بصورة مطلقة، أو رفض البعض من رجال الأعمال لموقع المحطة النووية باعتبار أن الساحل الشمالى من الأفضل ان يتم استغلاله سياحيا وفقط. والحقيقة أن معامل الأمان فى المحطة النووية التى تم الاتفاق على إقامتها يعد من بين المستويات الأعلى عالميا بحكم أنه سيتم إنشاؤها بأحدث التقنيات الراهنة مقارنة بالمحطات التى أقيمت بتقنيات أقدم والمنتشرة فى الكثير من دول العالم. وبالتالى فإنه من الطبيعى ان تكون معاملات الأمان فيها على درجة عالية من الإحكام لدرجة أنه يحتمل السقوط المباشر لطائرة كبيرة عليه. أما بعض مبررات رجال الأعمال لرفض إنشاء المحطة فى الساحل الشمالى خوفا من تأثيرها على حركة البناء والسياحة الداخلية أو الخارجية فيه، فإنه يتطلب إطلاع الجميع على معايير الأمان، وعلى العلاقة بين المحطة والبيئة بصورة علمية وشفافة. وكان الأفضل قبل اتخاذ القرار النهائى بالاتفاق على إنشاء المحطة النووية أن يكون هناك تشاور مع قيادات القوى السياسية المعارضة والموافقة لجعل القرار بإنشاء المحطة قرارا قوميا، وليس قرارا للرئيس او الحكومة وفقط، ولضمان أعلى مستويات التوافق فى هذا الشأن.

وللعلم فإن فرنسا التى استقبلت 84.7 مليون سائح أجنبى عام 2014، والولايات المتحدة التى استقبلت 69.8 مليون سائح أجنبى فى العام نفسه وغيرهما من الدول لديهم عدد كبير من المفاعلات المتاخمة لمناطق سكنية أو سياحية والعبرة هى بمعايير وإجراءات الأمان والالتزام الصارم بها.

وتشير بيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015) إلى أن إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية يشكل 13.4% من إجمالى إنتاج الكهرباء فى العالم الذى بلغ نحو 20079 مليار كيلو وات/ساعة فى عام 2012. أى أن الكهرباء المولدة من الطاقة النووية بلغت نحو 2693 مليار كيلو وات/ ساعة. ولتوليد هذه الكمية من الكهرباء فإننا نحتاج 5333 مليون برميل من النفط. والقيمة الفعلية لهذه الكمية من النفط تعادل أكثر من 240 مليار دولار بالأسعار المتدنية للنفط حاليا. وكانت قبل عام ونصف تعادل قرابة 560 مليار دولار.

وكانت الدول النووية فى العالم فى مجموعها قد قامت بتوليد نحو 2012 مليار كيلو وات/ساعة من الكهرباء النووية عام 1990. وتلك الكمية من الكهرباء كانت تحتاج لتوليدها من خلال النفط لنحو 3984 مليون برميل، على أساس أن كل 505 كيلو وات، تحتاج إلى برميل واحد من النفط لتوليدها. ووفقا لأسعار النفط فى ذلك العام التى بلغت فى المتوسط نحو 22.3 دولار للبرميل من سلة خامات أوبك، فإن تكلفة تلك الكميات من النفط كانت تقدر بنحو 88.9 مليار دولار. وكما هو واضح فإن حجم إنتاج العالم من الكهرباء النووية قد سجل زيادة كبيرة بين عامى 1990 و 2012.

وتشكل الكهرباء المولدة من الطاقة النووية نحو 76.2% من إجمالى إنتاج الكهرباء فى فرنسا، ونحو 52.6% فى بلجيكا، ونحو 23% فى ألمانيا، ونحو 30.8% فى مجموع بلدان منطقة اليورو، ونحو 19,9% فى الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو 16.5% فى روسيا المتخمة باحتياطيات هائلة من النفط والغاز. أما الدول النامية فإن نحو 4.6% من إنتاجها من الكهرباء يأتى من المحطات النووية. أما مصر فإنها خارج المنافع العالمية من استخدام الطاقة النووية فى توليد الكهرباء حتى الآن.

أما تخوف البعض من اندساس إرهابيين بين العاملين فإنه تخوف إذا تم الخضوع له فلا يمكن أن نقوم بأى شىء، أو نشاط من أى نوع. والحل هو حسن اختيار العاملين والآليات الصارمة للضبط والمراقبة داخل المحطة النووية. وشكك البعض فى التزام روسيا بتوريد اليورانيوم ومستلزمات المحطة، وهو أمر يصعب التعامل معه على محمل الجد لأن روسيا صاحبة مصلحة فى استمرار عمل وإنتاج المحطة من الكهرباء لسداد القرض الذى أُستخدم لإقامتها. كما أنها إزاء التزامات تعاقدية ومسئولية إزاء مصر والعالم عن سلامة وعمل المحطة.

كما أعلن البعض تفضيلهم للاستثمار فى الطاقة الشمسية باعتبارها طاقة نظيفة ومتجددة ولا تنطوى على المخاطر التى ينطوى عليها استخدام المفاعلات النووية. وهنا لابد من تأكيد الأهمية القصوى للاهتمام بالطاقة الشمسية التى تعتبر كنزا هائلا ومتجددا وغير مستغل فى مصر التى يمكنها أن تصبح أحد أكبر منتجى الكهرباء فى العالم لو استغلته. لكن انخفاض أسعار النفط للمستويات الراهنة جعل تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية أعلى كثيرا من المحطات التى تعمل بالنفط أو الغاز أو الطاقة النووية. وليس هناك ما يمنع من أن يكون لدى مصر محطات تعمل بالطاقة النووية وأخرى تعمل بالطاقة الشمسية، خاصة أن المحطات النووية ليست مجرد محطات لإنتاج الكهرباء وإنما هى عالم من التطور التقنى الذى يجب على مصر اقتحامه. وصحيح ان «روس أتوم» ستقوم بتنفيذ 80% من اعمال المحطة النووية تاركة نحو 20% لمصر، إلا أن التدريب ونقل الخبرات وإدارة المحطة النووية وصيانتها ستحدث تطورا مهما فى القدرات التقنية لمصر ولنخبتها الموجودة فعليا فى هذا المجال من المفاعلين الصغيرين اللذين تمتلكهما مصر، وايضا من خريجى أقسام الفيزياء والكيمياء والهندسة النووية فى كليات العلوم والهندسة المصرية. إن الاتفاق النووى مع روسيا هو بداية لتحقيق الحلم التاريخى بدخول هذا العالم من التطور التقنى ولا ينبغى أن نحوله إلى كابوس بسبب المبارزات السياسية أو تجاهل الدولة للتفاهم مع القوى السياسية المعارضة بشأنه، مع الإقرار بأهمية الشفافية الكاملة بشأن المشروع، وبضرورة فتح قنوات الحوار مع كل القوى السياسية لتوضيح الجوانب المختلفة للمشروع بتواضع وليس بمنطق تسجيل النقاط، ولتأكيد توافر أقصى وأحدث معايير الأمان والضوابط التى تضمن أن يكون المشروع النووى تجسيدا آمنا للحلم التقنى الذى طال انتظاره.

المصدر جريدة الأهرام

أضف تعليق

About نبأ

Leave a Reply

%d bloggers like this: