الرئيسية / مقالات / عرض للكتاب الأمريكي / حاوي الثورة المصرية: دراسة أنثربولوجية لظاهرة توفيق عكاشة

عرض للكتاب الأمريكي / حاوي الثورة المصرية: دراسة أنثربولوجية لظاهرة توفيق عكاشة

1520131718712

عرض عمر سمير

أثارت ظاهرة الإعلاميين الذين ظهروا عقب ثورات الربيع العربي العديد من التساؤلات وخلقت مناخا عاما اتسم بالسخرية والنكات في بعض الأحيان إلا انه في أحيان أخرى اثار كثير من علامات الاستفهام حول هذه الطبيعة التي كانت جزءا من الواقع السياسي والاجتماعي بعد الثورات العربية، ولماذا ظهرت مثل هذه الحالة “الإعلامية” إن صح التعبير ولماذا عقب هذه الثورات خاصة أن تأثيرها على توجيه الرأي العام في هذه المناطق كان كبيرا، فمن بين هذه الحالات الإعلامية البعض الذي اتخذ من السخرية وسيلة لانتقاد الوضع القائم وبيان التناقضات الحاصلة داخل تروس السلطة وأدواتها وطرق تعاملها مع القضايا المختلفة ومن بينها من والى السلطة واصبح لسانها تطوعا منه دفاعا عن شعاراته الخاصة بالأمن القومي ووحدة الوطن.. الخ ومثل البعض الآخر ظاهرة في حد ذاتها في مدى الاهتمام الذي حظى به وما تحدث عنه بطرق نشر الشائعات والحديث عن المستقبل والأخبار المنقولة من جهات سيادية وغيره من الأساليب وكانت هذه الحالة حالة توفيق عكاشة في مصر والتي كانت تستحق الدراسة الأنثروبولوجية والسياسية بعيدا عن التهكم أو السخرية لمعرفة تأثيرها وأسباب ظهورها واختفائها على السواء.

التعريف بالكتاب[1]

هذا الكتاب هو عبارة عن دراسة أنثروبولوجية ميدانية أنجزها المؤلف البروفيسور والتر أرمبرست[2] خلال سنتين قضاهمها في مصر ما بين 2010، 2012، واختار أرمبرست توفيق عكاشة كموضوع لدراسته، حيث نظر إلى بزوغه واشتهاره اللافت للنظر في المشهد السياسي المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير كظاهرة تتطلب التفسير.

الأفكار الرئيسية

يعرض أرمبرست مقاربتين للجواب على هذا السؤال: المقاربة السوسيولوجية والمقاربة السياسية. ولكنه يرى أنهما قاصران ولا يقدمان تفسيرا واضحا لظاهرة عكاشة.

في المقابل يعرض أمبرست المقاربة الأنثروبولوجية كبديل أكثر نجاعة في تفسير الظاهرة من المقاربتين السابقتين، تنهض هذه المقاربة على عدد من المفاهيم الأنثروبولوجية مثل: وضعية المجاز، أزمة المجاز، وضعية ضد البنية، والحاوي وكلها مفاهيم تعتبر غير مطروقة في المجال الثقافي العربي.

وضعية المجاز أو العتبة (liminality): هي باختصار المرحلة البينية بحيث يكون الشيء بين حالتين مجتمعيتين أو نفسيتين، هي وضعية عابرة او انتقالية، ويمكن إسقاط هذه الوضعية على حالة المجتمعات العربية بعد 4 أعوام من الثورات إذ لم تعد قابعة تحت النظم القديمة ولم تتشكل بوادر نظم جديدة مغايرة لما كان سائدا من قبل، هذه الوضعية لها مجموعة من الخصائص تساهم في فهم وتحليل عملية بروز عكاشات وليس عكاشة واحد فيما يعتبره المؤلف الظاهرة العكاشية والمقصود بها تصعيد الدجالين والمشعوذين إلى قمة المشهد وهي ظاهرة لا ترتبط بشخص بقدر ارتباطها بالسياق الذي يسمح بوجود هذا الشخص وغيره.
أول من استعمل هذا المصطلح هو الأنثربولوجيست الفرنسي جينب في 1908 في كتابه طقوس العبور، وقصد به الممارسات التي يقوم بها الفرد في لحظات التحول المجتمعي الرئيسية بحيث ينتقل من وضعية مجتمعية لوضعية أخرى.

وهي في حالتنا هذه ليست كالانتقال من حالة اجتماعية كأعزب لمتزوج وإنما هو تشبيه للتبسيط، حيث الفرد يمر بثلاثة مراحل وفقا لطقوس العبور وهي الانفصال عن الحالة الأولى (الطفولة- العزوبية- المدينة) وعلى مستوى المجتمع ينفصل عن بنيته ومعاييره التي كانت حاكمة لفترة من الزمن باعتبارها وضعا طبيعيا مستقرا، ثم مرحلة العتبة وفيها يعلق الشخصية بين الوضعية الأولي والثالثة كمرحلة الخطوبة بين العزوبية والزواج وعلى مستوى المجتمع تم الانفصال عن البنية دون الدخول في بنية جديدة والمجتمع في وضعية مجاز متخمة بعدة محاولات للصلح سواء بين الأطراف ذواتها أو بين الوضعية القديمة والوضعية المراد تشكيلها وتتضمن وجود قوى اجتماعية غير مسيطر عليها، ثم مرحلة إعادة الدمج بحيث يدخل الفرد في الوضعية الجديدة، وعلى مستوى المجتمع الوصول لوضعية الدمج بحيث يقبل الجميع العيش معا على اختلافهم وهي مرحلة يمكن القول أننا لم نصل إليها بعد.

وضعية ضد البنية أو الدراما الاجتماعية: قام فيكتور تيرنر بتطوير نظرية وضعية المجاز أو العتبة وتوسيع نطاق هذا المفهوم ليفسر مظاهر الصراع والتوتر التي تحدث في مجتمع ما، حيث يرى أن في مرحلة العتبة يدخل الأطراف الفاعلة في المجتمع في صراع حتمي حيث:
مرحلة التصدع: وفيها يحدث شقاق بين الأطراف المجتمعية ويبتعد كل طرف عن الأطراف الأخرى وهو ما يفضي إلى المرحلة التالية وهي:
مرحلة الأزمة: حيث يتسع الصدع لحدود بعيدة ويحدث انفصال تام بين هذه الأطراف.
مرحلة الإصلاح: أي إصلاح العلاقات بمحاولات لرأب الصدع المجتمعي سواء بالحوار أو لجان للصلح أو لجان حكماء.
مرحلة إعادة الاندماج: حيث تنجز عملية الصلح وتلتئم بنية المجتمع ويدرك الجميع إمكانية التعايش مع الاختلاف.
ومن سمات مرحلة المجاز التي تساوي مرحلة الأزمة الآتي:

الجماعات متساوية: بحيث تزول كل الفوارق ويصبح الجميع سواسية تماما بعدما انفصل المجتمع عن معاييره وبنيته السائدة من حيث الهيراركية والطبقية، وفي هذه الحالة يصبح الجميع ضد البنية السائدة من قبل.
وفي هذه المرحلة تتحرر القدرات والإمكانات الخيرة والشريرة من قيود السياق، وإذا طالت هذه الوضعية تحدث أزمة مجاز بحيث تغيب المعايير مع غياب الخبرة المجتمعية في التعامل مع هذه الوضعية.
الثورات تنتج حالة ضد البنية التي تتساوى فيها المكونات الاجتماعية (قوة شباب الثورة وما يملكونه من أدوات= قوة القوى الرجعية ممثلة في النظام القديم والمؤسسة العسكرية= قوة الحركات الإسلامية) ففيما بعد الحادي عشر من فبراير لم يكن محسوما من سيقود المشهد السياسي في مرحلة العتبة أو المجاز، ومن ثم تساوت قوى الأطراف الفاعلة في المشهد المصري.

في هذا السياق ظهر نجم توفيق عكاشة كداعية لتقديس الجيش المصري ثم متحدث رسمي باسم الثورة المضادة ليصير هو ومن على شاكلته قوة سياسية حقيقية.

إذن فالنظرة إلى عكاشة ومن على شاكلته من نجوم الصعود السريع باعتبارهما مجرد ذيول لمؤسسات الدولة نظرة قاصرة إذ هو حاوٍ سياسي ظهر في ظل أزمة مجاز أسهم هو في استمرارها، وتحولها إلى أزمة مجاز ثوري باستعمال الدلالة الاجتماعية لأزمة المجاز كما عبر عنها تيرنر.

الثورات في جوهرها تتضمن لحظة لا يقين واختلاط للأمور وقدر عال من السيولة هذه اللحظة دشنها سقوط نظام مبارك لكنها لا تزال ممتدة حتى الآن، وهي تتماثل مع حالة المجاز أو العتبة وتمثل فرصة عظيمة للحاوي وتمثل سكنا ومأوى له وهو يعتبر داعما طبيعيا لحالة ضد البنية تلك.

الحاوي أو المحتال: شخصية ثقافية عابرة للثقافات وموجودة في تراث كافة الحضارات ونجد حكاياتها في الفلكلور الشعبي والأساطير اليونانية القديمة كما في تراث السكان الأصليين لأمريكا اللاتينية من الهنود، وغيرهم.
سمات هذه الشخصية:

المكر والدهاء: فهو قادر خداع أتباعه والآخرين طوال الوقت.
مثير للضحك والسخرية، بلا بيت ولا موقف تعيش في مفترق طرق دوما، يغلب عليها الغموض والغرور والازدواجية، شخصية بلا قيم ولا معايير (عكاشة برلمان 2010 لسب الثورة والثوار وقيادة الثورة المضادة لتمجيدها ولزعم أنه قائد الثورة، لسب المجلس العسكري تملقا بالإخوان لسبهم لصالح المجلس العسكري ………)
شخصية مؤذية وتتسم بالعنف الاجتماعي والرغبة في الانتقام (التحريض على الثورة، ثم على الإخوان ثم على النشطاء).
سمات هذه الشخصية على المستوى الفردي تكاد تتطابق مع وضعية المجاز على المستوى المجتمعي ككل، لذا إذا وجدت هذه الشخصيات في هذه الوضعية وهذا السياق، فما حدود تأثيرها فيه وتأثيره فيها.

وضعية العتبة او المجاز مجتمعيا هي مؤقتة أو يفترض ان تكون كذلك لكن هي بالنسبة للحاوي حالة دائمة يتلبسها ولا يمكن أن يعيش بدونها، لذا هو يسعى لكي يطيل هذه الوضعية على المستوى المجتمعي بكل ما أوتي من إمكانات ومهارات في الخداع والاحتيال، وهو بهذا يزيد من تشوش الفهم لدى المجتمع وعدم قدرته على إدراك حقائق الأشياء.

في هذه الوضعية ومع قدرته على بناء خطاب تشويشي وعدم قدرة الآخرين على إدراك سياقهم الذي لم يتشكل بعد ومع محاكاته هو لهذا السياق يصبح لديه قدرة عالية على لفت أنظار المشوشين، ويتحقق له الاشتهار السريع والمفاجيء.

ينظر إليه تيار كبير باعتباره يقول حقائق ويتنبأ بالمستقبل فيحدث ومن ثم يعولون عليه باعتباره مخلصا، لكنه يزيد الجميع تشويشا.

النقد والتعليق:

لكن هل هذا يعني أن مثل هذه الشخصيات حالات فردية لا رابط بينها سوى السياق؟

في تقديري أن الكاتب يفترض أن وضعية العتبة هذه تتم وتطول دون شروط، أو باعتبارها سمة من سمات مراحل التحول، لكن في الحقيقة هناك مستفيدون من إطالة هذه الوضعية وليسوا بالضرورة حواة.

ويخلص الكاتب إلى أن السياق ساعد في بزوغ مثل هذه الشخصيات كما أنها زادت الواقع تشويشا، ظاهرة توفيق عكاشة هي ظاهرة ناجمة عن وضعية المجاز أو ضد البنية، التي تتيح لشخصية الحاوي سياقا حاضنا، حيث تصبح سمات شخصيته وتركيبته الثقافية لها فعاليتها في جعله نجما في هذا السياق وهذه الوضعية فقط، وهو شخص صنع شهرته بنفسه إلى حد بعيد حتى ولو كان المجلس العسكري قد قدم له دعما لوجيستيا من حين لآخر، فهو قد اختار للمناسبة التي بدأ نجمه فيها في الظهور بعد الثورة ميدان العباسية الملاصق لوزارة الدفاع في ديسمبر من عام 2011 في جمعة سماها ثورة التصحيح التي رفعت شعار “الشعب والجيش والشرطة والقضاء يد واحدة” وهي شعارات لم يكن لهذه المؤسسات أن تعترض عليها إذ ثمة تلاق في الأهداف.

منهج تيرنر هذا في استعمال نظرية ضد البنية يفترض وجود واستمرارية البنية المعيارية للمجتمع بمعزل عن نطاق الأحداث، والحقيقة أن معايير المجتمع تتغير ليس فقط في وضعية ضد البنية أو حتى مرحلة المجاز الثوري وإنما بامتداد الزمن وبتطور أدوات التكنولوجيا وغيرها، وإن كانت كتابات تيرنر حول وضعية المجاز ومفهوم شخصية الحاوي المتعلق بها تمتلك قدرات تفسيرية عالية في تحليل الثورات.

وفي الحقيقة يمكن مد استنتاجات مفهوم الحاوي ووضعية المجاز على شخصيات سياسية كثيرة ارتبطت بالسلطة عقب الثورة ثم خفت ذكرها لصالح شخصيات أخرى استطاعت أن تتلبس وضعية المجاز.

“الحاوي يتميز أسلوبه بالتكرار ونبرة وإيقاع صوته ملائمان جدا لمشاهد أمي أو نصف متعلم، وكل ما يأتي به مثير للضحك والسخرية ومع ذلك فرد فعل الجماهير في المجتمعات البدائية تجاه شخصه وسلوكه لا يكون الضحك وفقط وإنما ضحك مشوب بالرهبة وليس هناك سبب يدعونا أن نعتقد أن سلوك الجماهير هذا سلوك ثانوي أو متخلف”، هذا يصدق جزئيا على موقف المصريين من توفيق، عكاشة.

ثمة علاقات وشبكات مصالح وثيقة بين الظاهرة العكاشية وبين من يديرون المشهد في مرحلة المجاز الثوري أو العتبة ويمكن رصد هذا من خلال وصوله لوثائق لم يتسن لغيره الوصول إليها لمحاولة إثبات تورط منظمات المجتمع المدني في عمليات تمويل أجنبي مشكوك في أهدافها، ومن ثم قيادة حملة منظمة ضد المجتمع المدني وتكوين رأي عام داعم لتوجه السلطة في إغلاق والتضييق على بعض المنظمات، إذن شخصية الحاوي قادرة على صناعة الفعل بذاتها أو بمساعدة إدارة المهرجان أو القائمين على السلطة في مرحلة المجاز وهي هنا الأجهزة السيادية، هذا التحليل يمتد لشخصيات بزغ نجمها ثم خفت مثل مصطفى بكري وعبد الرحيم علي وأحمد موسي  وغيرهم، بل قد يمتد التحليل لشخصيات في الحكم تصرفاتها مثيرة للضحك وهي جزء من حالة المجاز الثوري حيث لم يكن أحد يعرفها قبل الثورة ثم أصبحت في صدارة المشهد بسرعة فائقة.

وبينما يصدر المترجم الكتاب بمقولة (كوندورسيه): “قدرة الرجل الدجال أو المشعوذ على تضليل الجماهير، أشد من قدرة العبقري على إنقاذها” فإنني أختم بتساؤل لماذا اشتهر باسم يوسف واستطاع توظيف خطابات عكاشة وغيره في نقد وتسخيف هؤلاء الحواة مستغلا سياق المجاز أيضا؟ إن لم يكن هناك مساحة من القابلية للعقلانية قد توفرت فيما بعد الثورة مشابهة تماما لمساحة اللاعقلانية وربما كانت تتفوق عليها تدريجيا حتى مراحل متأخرة من حكم الإخوان المسلمين.

إن شخصية الحاوي هي جزء أصيل من عملية تحويل الوعي العام تجاه الثورة باعتبارها محاولة لتغيير الواقع للأفضل على كافة الأصعدة إلى مجرد كونها مؤامرة كونية على الدولة والنظام اللذان يمتزجان في تماهي تام في أي نظام سلطوي، ومن ثم لا ينبغي التقليل من شأن الحاوي لأنه ثبت انه مصدر الكثير من الشائعات ويمكنه التشهير بالجميع فحاوينا هذا كان صاحب اختلاق قضية مضاجعة الوداع التي نقلتها كبريات الصحف دون تحقق من مصدرها وهو أيضا صاحب التشكيك في فيديو الفتاة المسحولة في ميدان التحرير، فالحاوي يضحكنا ويرهبنا في أن واحد وفي أزمة المجاز الثوري يصبح الحاوي شخصا خطيرا إذ يصبح قادرا على تشكيل مفردات ووعي الشارع في بيئة الأمية وأنصاف المتعلمين.

 

[1] والتر أرمبرست، (ترجمة طارق عثمان)، “حاوي الثورة المصرية: دراسة أنثربولوجية لظاهرة توفيق عكاشة”، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1 2015.

[2] Walter Armbrust is Hourani Fellow and University Lecturer in Modern Middle East Studies at Oxford University.

أضف تعليق

عن نبأ

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: