الرئيسية / تراث / بالفيديو : بيان 30 مارس , ثورة التصحيح المنسية

بالفيديو : بيان 30 مارس , ثورة التصحيح المنسية

“الشعب هو القائد والمعلم” جملة لطالما رددها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتحققت بشكل واضح عام 1968.
في 20 فبراير من هذا العام، صدرت أحكام “هزيلة” بحق قيادات سلاح الطيران الذين تورطوا -بالإهمال- في التسبب في نكسة 1967، فحكمت المحكمة العسكرية بالسجن 15 سنة على الفريق أول طيار متقاعد صدقي محمود، وبالسجن 10 سنوات على اللواء طيار متقاعد إسماعيل لبيب. وحكمت ببراءة كل من: الفريق أول طيار متقاعد جمال عفيفي، واللواء طيار متقاعد عبد الحميد الدغيدي.
الأحكام لم ترض غرور الشعب الجريح بعد الهزيمة المفاجئة في يونيو 1967، فتظاهر عمال بعض المصانع وطلاب بعض الجامعات، وتحولت المظاهرات إلى غضب عارم، لدرجة أن صلاح جاهين كتب 5 رباعيات شهيرة، تحيي التحرك الشبابي، وتحاول احتواء غضبه وانفلاته، منها رباعية قال فيها:
“عاد الربيع كأنه طعم الحب
والحب نار جوة العروق بتصب
أتمتع إزاي بيه وأنا متقطع
من كتر خوفي لا في الخطيئة يطب؟
عجبي!!”.

 

لكن سرعان ما استجاب عبد الناصر للحراك الشعبي، فبعد 5 أيام فقط (25 فبراير) تقرر إعادة محاكمة قادة سلاح الطيران. إلا أن عبد الناصر كان يعي جيدًا أن المشكلة أعمق من تلك المحاكمات، وأن الحراك جاء انفجارًا ضد أوضاع عدة تحتاج إلى إصلاح.. بل إلى ثورة. فكان بيان 30 مارس 1968، وبإيعاز من “القائد والمعلم”.. الشعب.
الديموقراطية ثم الديموقراطية ثم الديموقراطية، هكذا يمكن تلخيص بيان 30 مارس، الذي يعد ثورة تصحيح حقيقية ضد أوضاع خاطئة شهدتها الحقبة الناصرية قبل النكسة.
لكن وكما قال فؤاد حداد في قصيدة له عقب النكسة: “ولجل نبني لا بد ما نهدم”، كان على عبد الناصر تطهير الصفوف من كل المنتفعين من الثورة، قبل التخطيط لتطبيق الديموقراطية السليمة، التي كانت أحد أهداف ثورة يوليو. وهنا قد يكون من الأفضل أن نستمع إلى بيان 30 مارس على لسان عبد الناصر وهو يعترف بأخطاء التجربة، قبل أن يضع روشتة علاجها:
“ولقد تجاوزت الأمور حد ما يمكن قبوله بعد النكسة؛ لأن مراكز القوى وقفت فى طريق عملية التصحيح خوفًا من ضياع نفوذها، ومن انكشاف ما كان خافيًا من تصرفاتها. وكان ذلك لو ترك وشأنه كفيلًا بتهديد جبهة الصمود الشعبي؛ ولذلك فلقد كان واجبًا – بصرف النظر عن أي اعتبار- تصفية مراكز القوى، ولم تكن تلك بالمسألة السهلة إزاء المواقع التي كانت تحتلها مراكز القوى، وفي إطار الظروف الدقيقة التي كان يعيشها الوطن”.

مازلنا مع صوت عبد الناصر خلال إلقاء بيان 30 مارس: “إننا استطعنا – وهذه مسألة أخلاقية ومعنوية أعلق عليها قيمة كبيرة – أن نضع أمام الجماهير- بواسطة المحاكمات العلنية – صورة كاملة لانحرافات وأخطاء مرحلة سابقة (يقصد قضية انحراف المخابرات) وكان رأيي أن هذه مسئولية يجب أن يتحملها نظامنا الثوري بأمانة وشجاعة، وكان رأيي أيضًا أن الضمير الوطني الذي أحس بأن انحرافات وأخطاء قد وقعت من حقه ومن مصلحته أن يعرف الحقيقة، وأن يخلص وجدانه من أثقالها، وأن ينفض عن نفسه كل رواسب الماضي؛ فلقد بقى إيماني بضرورة ذلك كإيماني بطب الجراحة يقطع لينظف، ويبتر لينقذ”.
بعد التطهير ومحاكمة الفاسدين، تحدث ناصر في بيانه عن كيفية البناء من جديد، فقال: “إن الكثيرين ممن يشغلون المناصب أدوا مسئولياتهم بجدارة واستحقاق، ولكن بعضهم لم يكن على مستوى المسئولية سياسيًا وتنفيذيًا، ومن الضرورى عليهم وعلينا إفساح المجال للأقدر والأجدر”، وتابع “ولقد بدأت التغيير – كما تعرفون – بإعادة تشكيل الوزارة، والذي يعنينى في تشكيل الوزارة الجديدة أنه جاء إلى مواقع الحكم بصفوة من شباب هذا الوطن، لا يدين أحد منهم بمنصبه لأي اعتبار سوى اعتبار علمه وتجربته في العمل السياسي”، ولم ينس عبد الناصر أن يشدد على أن “التغيير المطلوب لا بد له أن يكون تغييرًا في الظروف وفي المناخ، وإلا فإن أي أشخاص جدد في نفس الظروف وفي نفس المناخ سيسيرون في نفس الطريق الذي سبق إليه غيرهم”.
وهنا أتى الدور على الديموقراطية..
كان الزعيم الراحل يرى أن مصر تحتاج في طريقها النضالي إلى حشد قوى الشعب العامل، وأن صيغة الاتحاد الاشتراكى هي أكثر الصيغ ملاءمة لحشد تلك القوى في تلك اللحظة من عمر مصر، وفي بيان 30 مارس يقول: “لم تكن المشاكل التي عاناها الاتحاد الاشتراكي ترجع إلى قصور أو عيوب في صيغته العامة، وإنما كانت أسباب القصور والعيوب ترجع إلى التطبيق”.
تُرى ما تلك العيوب؟
يجيب بيان 30 مارس بحسم: “أول هذه الأسباب هو أن عملية إقامة الاتحاد الاشتراكى لم تبن على (الانتخاب الحر) من القاعدة إلى القمة”، وأن حشد قوى الشعب العامل يجب أن يتم بوسيلة الديمقراطية. ويضيف جمال “الدولة الحديثة لا تقوم – بعد الديمقراطية – إلا استنادًا على العلم والتكنولوجيا”.
لكن هل عملية الانتقال نحو الديموقراطية ستعتمد فقط على الاتحاد الاشتراكي، أم أنه خطوة لما هو أبعد؟
يقول عبد الناصر في بيان مارس، إن الدولة تسير وفقًا للدستور المؤقت الذي وضع عام 1964، وإن مجلس الأمة والمؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي في طريقهما لوضع الدستور الدائم، ويستطرد: “من المهم أن يكون مشروع الدستور الدائم معدًا بحيث يمكن فور انتهاء عملية إزالة آثار العدوان أن يُطرح للاستفتاء الشعبي العام، لتتم بعده مباشرةً انتخابات لمجلس أمة جديد على أساس الدستور الدائم.. ثم انتخابات لرئاسة الجمهورية”.

هكذا جاء بيان 30 مارس مبشرًا بحياة ديموقراطية سليمة وجديدة، لكن بعد إزالة آثار العدوان، التي لم يُمهل القدر عبد الناصر للقيام بها، لوفاته في سبتمبر 1970.
تجدر الإشارة إلى أن الدستور الدائم أُقر بعد استفتاء الشعب عليه في سبتمبر 1971، ونصت المادة 77 منه على تحديد مدتين فقط لرئيس الجمهورية، قبل أن تُعدل تلك المادة عام 1980 بإيعاز من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حتى لا يقيِّد الدستور الرئيس بفترة محددة في السلطة.
هكذا كان بيان 30 مارس ثورة تصحيح حقيقية، شنها عبد الناصر على نظامه ودولته

المصدر : اليوم الجديد , للكاتب عمرو شوقي

 

أضف تعليق

عن نبأ

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: